رحلة من الجوع إلى السلام: دليل المفاهيم الأساسية للتحول الزراعي في السودان
تتجاوز
الزراعة في السودان كونها مجرد قطاع اقتصادي؛ فهي شريان الحياة، ومحرك الاستقرار،
والسبيل الأمثل لتحقيق سلام مستدام. يستعرض هذا الدليل المفاهيم الاستراتيجية التي
تربط بين الأرض والفقر وبناء السلام، مستنداً إلى رؤية تنموية حديثة تهدف إلى
تحويل السودان من "ساحات للنزاع" إلى "واحات للإنتاج
السيادي".
مدخل:
فهم "المفارقة الكبرى" في السودان
يعيش
السودان واقعاً متناقضاً يصفه الخبراء بـ "المفارقة الكبرى"، وهي الفجوة
العميقة بين ما تزخر به الأرض من خيرات هائلة، وبين ما يعانيه الإنسان من فقر
وجوع.
بطاقة
تعريفية: "المفارقة الكبرى" في أرقام
·
الأراضي الزراعية: يمتلك السودان
173 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة.
·
الثروة الحيوانية: يمتلك أكثر من
105 مليون رأس من الماشية، مما يجعله من أغنى دول العالم في هذا المجال.
·
الواقع المعيشي: رغم هذه الكنوز،
يواجه الشعب السوداني شبح الجوع والنزوح القسري، والاعتماد على الإغاثة الخارجية.
إصلاح
العقول يسبق إصلاح الأرض: لا يبدأ التغيير الحقيقي بالمحراث، بل بتبني "عقلية
نهضوية" جديدة. فالمشكلة لا تكمن في ندرة الموارد، بل في "العقلية
الإدارية" التي أهدرت الإمكانات لعقود؛ لذا فإن تحرير العقل من الأنماط
التقليدية هو المفتاح لتحرير الأرض من الفقر.
متلازمة
"مشروع الجزيرة": جذور الانحياز الهيكلي
نشأ التخطيط الزراعي في
السودان متأثراً بإرث استعماري خلق فوارق تنموية حادة، مما أرسى ما يمكن تسميته
"متلازمة مشروع الجزيرة"، وهي ميل الدولة لتركيز الدعم في
"المركز" وتهميش "الأطراف".
مفهوم "جغرافيا
الإنفاق":
إن الطريقة التي توزع بها الدولة مواردها هي التي تحدد بؤر النزاع؛ فعندما يتركز
الإنفاق في منطقة وتُهمل أخرى، فإننا لا نصنع فقراً فحسب، بل نرسم "خرائط
للنزاع" المسلح.
لغة
الأرقام: كيف يوزع السودان ثرواته الزراعية؟
تكشف البيانات التاريخية
(1956-2018) عن خلل بنيوي في توزيع "كعكة الدعم الزراعي"، وهو خلل يفسر
بقاء مناطق بعينها حبيسة دائرة العنف.
توزيع الإنفاق الحكومي
(كعكة الدعم الزراعي):
·
الزراعة المروية (60%): نالت نصيب
الأسد وتركزت في وسط السودان النيلي.
·
الزراعة المطرية الآلية (30%):
خُصصت للمشاريع الكبرى والمستثمرين.
·
الزراعة المطرية التقليدية (10%):
وهي الأقل حظاً، رغم أنها تعيل أغلبية سكان الريف في الأطراف.
النتائج الاجتماعية
للخلل التنموي:
تآكل
النسيج الاجتماعي: أدى تخصيص 10% فقط للقطاع التقليدي إلى تفاقم الفقر في الأطراف؛
حيث سجلت دارفور معدل فقر بلغ 64.17%، وكردفان 54.17%.
الفقر
الريفي الحاد: تحول المزارعون من "منتجين سياديين" إلى "نازحين في
معسكرات" نتيجة غياب التمويل والخدمات.
الهشاشة
المناخية: ترك هذا التوزيع صغار المزارعين عُزلاً أمام الجفاف، مما حوّل التنافس
على الموارد المحدودة إلى صراعات دموية..
الدورة
الخبيثة: لماذا يرتبط النزاع بالزراعة والمناخ؟
تتشابك النزاعات
المسلحة، وتغير المناخ، وسبل العيش الزراعية في علاقة تدميرية متبادلة تُعرف بـ
"الحلقة المفرغة".
فعلى صعيد
المناخ، يُعد التصحر محفزاً للنزاع؛ إذ يؤدي تقلص المراعي وموارد المياه إلى نشوب
صدامات بين الرعاة والمزارعين حول الموارد المحدودة. وفي المقابل، يقوض النزاع
قدرة المجتمعات على التكيف؛ فالحروب تدمر البنية التحتية للري ومخازن البذور وتغلق
طرق التجارة، مما يجعل المزارع عاجزاً عن مواجهة الجفاف.
وتكشف حقائق عامي
2023 و2024 أن "الأمن هو السماد الأول للأرض"؛ فقد أثبتت الحرب الأخيرة
أنه رغم وفرة الأمطار في بعض المناطق، ظل الإنتاج ضئيلاً لأن النزاع حال دون وصول
المزارعين إلى حقولهم.
صراع المفاهيم: من التفكير الخطي إلى المنظور
المنظومي
يكمن القصور في
التعامل مع الأزمة السودانية في بقاء النخب الفنية والسياسية أسيرة لـ
"التفكير الخطي" الذي يركز على معالجة الأعراض ويقع في فخ "الأكبر
هو الأفضل". وقد تجلى ذلك في مقترحات "مؤتمر باريس" التي ركزت على
مشاريع ضخمة بمليارات الدولارات في المركز، متجاهلةً تعقيدات الواقع الريفي.
ويتمثل البديل
الاستراتيجي في "التفكير المنظومي" والذي يدمج الأبعاد الاجتماعية
والبيئية في الدورة الاقتصادية.
فعلى سبيل
المثال، في المنهج المنظومي، لا يُنظر إلى "الفول السوداني" كمجرد مادة
خام للتصدير بأسعار زهيدة، بل كأداة للإدماج الاجتماعي؛ إذ يعني تطوير سلسلة قيمة
الفول السوداني إشراك النساء والشباب في عمليات التصنيع والتعليب المحلية، مما
يرفع الدخل الحقيقي للمجتمعات المهمشة ويخلق استقراراً يحول دون الانزلاق نحو
الجريمة أو التجنيد المسلح.
مصفوفة أبعاد
التحول الزراعي الشامل
|
الهدف
الأساسي |
البُعد |
|
رفع
الدخل القومي وتحقيق السيادة الغذائية الكاملة. |
الاقتصادي |
|
الحد
من الفقر وتحقيق العدالة التنموية بين كافة الأقاليم. |
الاجتماعي |
|
التكيف
الذكي مع التغير المناخي وحماية الموارد الطبيعية. |
البيئي |
|
إصلاح
التشريعات، وعلى رأسها قانون الأراضي غير المسجلة لعام 1970 الذي قوض
"الحواكير" (الحقوق التاريخية) وكان سبباً رئيسياً في اشتعال النزاعات. |
المؤسسي |
خارطة الطريق: المرتكزات الستة للنهضة
السيادية
لتحقيق
التحول الزراعي الشامل كأداة للعدالة، يجب الاستناد إلى ست مرتكزات عملية:
a.
ربط الزراعة بالسلام: تحويل
المزارع إلى منصات للتعاون المجتمعي ودمج المقاتلين السابقين في دورة الإنتاج
ليكون "المحراث" بديلاً "للبندقية".
b.
البنية التحتية الاستراتيجية: الاستثمار
في حصاد المياه، وشبكات الري، وطرق الصادرات لربط الأطراف بالمركز والأسواق
العالمية.
c.
تطوير المناطق التقليدية: تقديم
حزم تقنية (بذور محسنة، تمويل، إرشاد) لصغار المزارعين في دارفور وكردفان لردم
فجوة التهميش التاريخي.
d.
تطوير الأسواق الداخلية: بناء
سلاسل إمداد تحمي المنتج والمستهلك من هيمنة الوسطاء وتضمن وصول الغذاء للجميع
بأسعار عادلة.
e.
تطوير الأسواق الخارجية (القيمة
المضافة):
التوقف عن
تصدير "الفقر الخام" (المواد الخام) والبدء بتصنيع المنتجات لتعظيم
العائد الوطني.
f.
الحوكمة والسيادة: بناء
مؤسسات قوية تحارب الفساد وتضمن تنفيذ السياسات بعدالة وشفافية.
خاتمة: الحقول الخضراء كأقوى جيوش السلام
إن
مستقبل السودان لا يكتب في غرف المفاوضات السياسية وحدها، بل يغرس في تراب الحقول.
إن كل فدان نزرعه بعدالة في الأطراف، هو خطوة جبارة نحو إيقاف بندقية في مكان آخر.
دعوة
للعمل:
إلى صناع
القرار المستقبليين والشباب: تبني هذه المفاهيم هو أول طريق التغيير. إن مسؤوليتكم
هي تحويل الزراعة من نشاط معزول إلى "مشروع وطني للعدالة". انشروا هذه
الرؤية، آمنوا بقيمة الأرض، واجعلوا من الإنتاج السيادي سلاحكم الأول.
"إن الحقول الخضراء هي
أقوى جيوش السلام؛ فلنعمل معاً لتحويل السودان من ساحات للنزاع إلى واحات للإنتاج
السيادي المستدام."
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق