الزراعة والسلام Agri-Peace

🌐 Language

منصة فكرية حول الزراعة والتنمية وبناء السلام في السودان

عن كتاب التنمية الزراعية من اجل السلام في السودان

 

الاستهلال الاستراتيجي: المفارقة الوجودية ورسالة الكتاب

في ظل المنعطف الوجودي الحرج الذي يمر به السودان، يبرز كتاب "التنمية الزراعية من أجل السلام في السودان"، لمؤلفه الخبير حسن علي سنهوري، كوثيقة سياساتية رفيعة المستوى تتجاوز الأطر التحليلية التقليدية لتصيغ رؤية استراتيجية متكاملة. يستند المؤلف في طرحه إلى حصيلة خبرات ميدانية تمتد لأكثر من ربع قرن، مما أضفى على مقاربته مزيجاً فريداً من الرصانة الأكاديمية والواقعية السياسية.

يطرح سنهوري ما يمكن وصفه بـ "المفارقة الكبرى"؛ المتمثلة في امتلاك السودان لموارد زراعية شاسعة تبلغ 173 مليون فدان، في مقابل تنامي معدلات الجوع والنزوح القسري. ويرى المؤلف أن جذور الأزمة لا تكمن في ندرة الموارد، بل في "تبعية المسار" (Path Dependency) التي قيدت الفكر الإداري السوداني ضمن أنماط تقليدية عقيمة. ومن هذا المنطلق، يؤكد الكتاب أن النهضة التنموية تستوجب "إصلاح العقول" كأولوية تسبق استصلاح الأراضي، وذلك عبر تبني ثلاثة مبادئ سيادية تجسد تطلعات ثورة ديسمبر:

الحرية: وتتجلى في تحقيق السيادة الاقتصادية والتحرر من الارتهان للتبعية الغذائية.

السلام: عبر تحويل بؤر النزاع إلى مراكز إنتاج إقليمية مستدامة.

العدالة: من خلال التوزيع المنصف للموارد وإنهاء الإقصاء التنموي التاريخي للأقاليم.

إن تفكيك هذه الأزمة يستلزم بالضرورة سبر أغوار الجذور الهيكلية للفشل التخطيطي، إيماناً بأن استيعاب دروس الماضي هو الركيزة الأساسية لصياغة مستقبل مغاير.

وفي هذا السياق، يحلل سنهوري الأزمة البنيوية للتنمية عبر مفهوم "متلازمة مشروع الجزيرة"؛ وهو مصطلح يشير إلى الانحياز الهيكلي والسياسي المتجذر للمشاريع المروية المركزية التي أرساها الإرث الاستعماري؛ حيث صُممت لخدمة المصالح الخارجية (تصدير المواد الخام) على حساب أنماط الإنتاج التقليدية التي يعتمد عليها غالبية السكان. كما يكشف الكتاب عن "الانحياز الهيكلي في جغرافيا الإنفاق"، وهو ما تؤكده بيانات الاستثمار الحكومي التاريخية.

 

ويؤكد المؤلف أن هذا الاختلال الممنهج لم يكن عرضياً، بل جاء استجابةً لإملاءات برامج "التكيف الهيكلي" ومفاهيم "الميزة النسبية" التي فرضتها المؤسسات الدولية، والتي أدت إلى تهميش الأمن الغذائي الوطني لصالح طموحات غير واقعية، مثل رؤية "سلة غذاء العالم العربي". وقد أدى هذا الإقصاء المنهجي إلى تحويل الموارد الطبيعية من أصول تنموية إلى وقود للنزاع المسلح في الأطراف.

يختتم الكتاب برسم خريطة دقيقة للأبعاد المكانية للفقر، موضحاً كيف تتقاطع العوامل الطبيعية (المناخ، المياه، التربة) لتشكل ملامح الهشاشة الاجتماعية، مصنفاً سبل العيش إلى ثلاثة أنماط تعكس فجوات تنموية حادة:

1.      النمط المطري التقليدي والرعوي (دارفور وكردفان): وهو الأكثر تضرراً، حيث تصل معدلات الفقر إلى 64% نتيجة الاعتماد على الأمطار المتقلبة وتهميش الدولة المستمر.

2.      النمط المختلط (الشرق والنيل الأزرق): يتسم بمعدلات فقر متوسطة بفضل تنوع الموارد بين الزراعة المطرية والمروية.

3.       النمط المروي المكثف (الشمال والمركز): يمثل قمة الاستقرار الإنتاجي، حيث يسجل أدنى معدلات الفقر (32%) بفضل القرب من المركز وتوفر الخدمات.

الإطار المفاهيمي: منهجية سلاسل القيمة والتحول المنظومي

ينتقل سنهوري في رؤيته من نقد الواقع الراهن إلى تقديم حلول عملية عبر تبني "التفكير المنظومي"؛ إذ يرى أن التنمية الزراعية لا تقتصر على الجوانب الفنية للزراعة فحسب، بل تمتد لتشمل المنظومة القطاعية المتكاملة وتأثيراتها المباشرة على سبل عيش المجتمعات الريفية. وترتبط هذه المنظومة ارتباطاً وثيقاً بمعدلات الفقر، والأمن الغذائي، وخلق فرص العمل، مما يرسخ دعائم التنمية الشاملة التي تُعد ركيزة أساسية لتحقيق السلام المستدام.

ولتعزيز هذا الطرح، يستعرض المؤلف تجارب دولية ملهمة؛ حيث يبرز النموذج الإثيوبي (ATA) كنموذج تقوده وكالة حكومية متخصصة (State-led)، بينما يمثل النموذج المغربي (الجيل الأخضر) نموذجاً قائماً على الشراكة الاستراتيجية بين القطاعين العام والخاص (Partnership-led). ومن هذا المنطلق، يؤكد المؤلف على ضرورة أن يتبنى السودان نموذجاً يوازن بين هذه التجارب بما يتواءم مع خصوصيته الجغرافية والسياسية.

 مصفوفة التنفيذ: المرتكزات الستة للتنمية من أجل السلام

يقدم الكتاب "خارطة طريق" سيادية تتجاوز الوعود السياسية لتضع آليات تنفيذية للنهضة، ترتكز على ستة محاور استراتيجية:

1.        الزراعة كمدخل للسلام: دمج المقاتلين السابقين في سلاسل القيمة وتحويل الحقول إلى منصات للتعايش السلمي.

2.        الاستثمار في البنية التحتية: تحديث شبكات الري وتطوير طرق الوصول إلى المناطق النائية.

3.        تنمية المناطق التقليدية: رفع الكفاءة الإنتاجية لصغار المزارعين في دارفور وكردفان.

4.        تنظيم الأسواق الداخلية: كسر احتكار الوسطاء لضمان حماية المنتج والمستهلك.

5.        تعزيز الأسواق الخارجية: الانتقال من تصدير المواد الخام إلى تصنيع المنتجات الزراعية.

6.        الحوكمة المؤسسية: بناء مؤسسات رشيقة وفعالة قادرة على مكافحة الفساد وإدارة التحول التنموي.

وفي هذا السياق، يشدد المؤلف على أن أي استثمار زراعي سيظل محدود الأثر ما لم يسبقه إصلاح قانوني جذري، يتمثل في مراجعة قانون الأراضي غير المسجلة لعام 1970، والاعتراف الصريح بالحقوق التاريخية (الحواكير). إن ضمان حيازة الأرض يمثل الضامن الأساسي لمنع تجدد الصراعات واستدامة الإنتاج، وهو قرار سيادي يتجاوز كونه إجراءً تقنياً.

الخاتمة: الحقول الخضراء كأداة للسلام المستدام

تتمحور الرسالة الجوهرية للكتاب حول حقيقة أن استقرار السودان لا يتحقق عبر النزاعات، بل عبر الإنتاج؛ فالحقول الخضراء هي "جيوش السلام" الحقيقية التي تحارب الفقر، وتعزز الأمن الغذائي، وتوحد السودانيين حول هوية الإنتاج الوطني.

إن هذه الرؤية تمثل دعوة صريحة لصناع القرار والشباب السوداني لتحويل شعارات "حرية، سلام، عدالة" إلى واقع ملموس. فالسودان يمتلك كافة مقومات النهضة، وما ينقصه هو الإرادة السياسية لإصلاح "العقل الإداري"، والإدراك بأن تحقيق العدالة التنموية في الأطراف هو صمام الأمان الوحيد لاستقرار المركز والوطن بأسره.


للحصول على نسخة من الكتاب:

https://www.agri-peace.blog/p/blog-page_11.html


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق