الزراعة والسلام Agri-Peace

🌐 Language

منصة فكرية حول الزراعة والتنمية وبناء السلام في السودان

الأحد، 10 مايو 2026

سلة غذاء خاوية: لماذا لم تزرع خصوبة السودان سلاماً حتى الآن؟

يعيش السودان ما يمكن وصفه بـ "المفارقة الكبرى"؛ فرغم امتلاك البلاد موارد زراعية هائلة تصل إلى 173 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة، لا يزال شبح الجوع والنزوح يطارد الملايين. يضعنا هذا التناقض الصارخ أمام حقيقة حتمية، كخبراء في التنمية، وهي أن معالجة أزمة السودان لا تقتصر على حرث الأرض فحسب، بل تبدأ من "إصلاح العقول" وإعادة هيكلة العقلية الإدارية التي أهدرت تلك الموارد لعقود.

 تكمن جذور الفشل التنموي في السودان في خمس حقائق صادمة، تكشف كيف تحولت الحقول من مصادر للحياة إلى وقود للصراعات، وكيف أدى الإقصاء المنهجي إلى جعل "سلة الغذاء" مجرد شعار أجوف.

أولاً: "متلازمة مشروع الجزيرة".. الإرث الذي كبّل الأطراف؛

فليست هذه المتلازمة مجرد اسم لمشروع زراعي، بل هي عقلية تخطيطية انحيازية ورثتها الحكومات الوطنية عن الحقبة الاستعمارية. لقد صُمم هيكل الإنتاج الزراعي تاريخياً لخدمة هدف واحد: تحويل السودان إلى مجرد "مصدر للمواد الخام"، وعلى رأسها القطن، لصالح المصانع البريطانية. وبدلاً من بناء اقتصاد متنوع، استمرت الحكومات المتعاقبة في تبني نموذج يُفضّل "المركز النهري" على حساب أنماط الإنتاج في "الأطراف". لم يكن هذا الانحياز اقتصادياً فحسب، بل شكّل المحرك الجغرافي الأول للصراع، حيث تم عزل الأقاليم بعيداً عن دورة الاقتصاد الوطني، لتصبح جغرافيا الإنفاق المنحازة للمركز -على مدار قرن من الزمان- هي نفسها التي رسمت ملامح جغرافيا الحرب التي نراها اليوم في الأطراف.

ثانياً: لغة الأرقام الصادمة.. "الإقصاء المنهجي" (60% مقابل 10%)

يكشف تحليل توزيع الإنفاق الاستثماري الحكومي خلال الفترة (1956-2018) عن انحياز قطاعي صارخ يمكن وصفه بـ 'الإقصاء المنهجي'، إذ بينما كانت الدولة تضخ استثماراتها في قطاعات المركز، تركت الأغلبية العظمى من المنتجين في المناطق الأخرى يواجهون الفقر والجفاف. يظهر التفاوت جلياً في توزيع الدعم والصيانة؛ ففي حين استأثر القطاع المروي (المركز) بنسبة 60% من الإنفاق المخصص لصيانة البنية التحتية للمشاريع الكبرى، لم يحصل القطاع المطري التقليدي (الأطراف) -الذي يعيل معظم سكان الريف في دارفور وكردفان- إلا على 10% فقط. هذا التوزيع غير العادل تجاهل تماماً قطاع الثروة الحيوانية، رغم امتلاك السودان أكثر من 105 ملايين رأس، مما حول الموارد الطبيعية من أصول اقتصادية إلى بؤر للنزاع بين الرعاة والمزارعين. وتكاد 'خارطة الإنفاق' السودانية تتطابق مع 'خارطة التمرد'، حيث أيقن سكان الأطراف المهمشة أن السلاح هو الوسيلة الوحيدة لإعادة هيكلة توزيع الثروة.

ثالثاً: تحول 'التجنيد' إلى مهنة بديلة للزراعة؛

فقد أدت النزاعات إلى ما يمكن تسميته بـ 'عسكرة سبل العيش'، إذ يجد المزارع نفسه أمام خيارات معدومة بعد تدمير أصول الإنتاج عمداً، سواء بحرق مخازن الغلال، أو نهب طلمبات الري، أو قطع الأشجار المثمرة في مناطق مثل جبل مرة. ولم يقتصر الأمر على الدمار العسكري، بل امتد لتهديدات بيولوجية أهملتها الدولة، مثل غزو أشجار 'المسكيت' في دلتا القاش بكسلا، وانتشار 'دودة الحشد الخريفية' في النيل الأزرق. إن هذا التدمير الممنهج لأصول الإنتاج أجبر الشباب على المفاضلة بين الجوع أو الانخراط في التجنيد والنهب المسلح، لتتحول الحرفة إلى عسكرة؛ ففقدان الأمن الغذائي لم يعد مجرد نتيجة للحرب، بل بات الضامن الوحيد لاستمراريتها.

رابعاً: التفكير "الخطي" مقابل "المنظومي".. فخ مؤتمر باريس

وقعت النخب السودانية في فخ "التفكير الخطي" الذي يكتفي بمعالجة الأعراض السطحية بدلاً من الأسباب الجذرية. وقد هيمنت عقلية "الأضخم هو الأفضل" على المخططين، وهو ما تجلى بوضوح في مؤتمر باريس عام 2021؛ إذ اقترحوا مشاريع عملاقة لإعادة تأهيل مشروع الجزيرة بتكلفة بلغت 1.08 مليار دولار، في حين طرحوا مشاريع ريفية في دارفور -كمشروعي "أم عجاجة" أو "هيلة"- دون ميزانيات أو رؤى استراتيجية واضحة.

خامساً: الزراعة كمعاهدة سلام.. الطريق نحو نموذج وطني:

إن المخرج الحقيقي يكمن في تحويل الحقول من "ساحات للنزاع" إلى "منصات للتعاون"، وتبرز هنا رؤية "التحول الزراعي" القائمة على "التفكير المنظومي" كأداة فاعلة لبناء السلام، من خلال دمج المقاتلين السابقين في دورة اقتصادية تعزز السيادة الوطنية.

ويمكن للسودان الاستفادة من تجارب دولية، كتجربة فيتنام التي جعلت من تمكين صغار المزارعين محركاً لنهضتها، أو البرازيل التي راهنت على الابتكار. كما ينبغي تفعيل آليات "الجودية" التقليدية لفض النزاعات حول الموارد، بالتوازي مع إصلاحات هيكلية تضمن إشراك المجتمعات المحلية في صناعة القرار.

الخاتمة: دعوة للعمل وفكر جديد.

هل نملك الجرأة لتحويل حقولنا إلى «جيوش سلام» عبر توزيعٍ عادلٍ للثروة، أم سنظل نزرع الجوع لنحصد الرصاص؟ إن الحقيقة الثابتة هي أن التنمية ستظل جهداً ضائعاً ما لم تقترن بإصلاحاتٍ تشريعيةٍ تضمن للمنتج حقوقه في أرضه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق