الزراعة والسلام Agri-Peace

🌐 Language

منصة فكرية حول الزراعة والتنمية وبناء السلام في السودان

الثلاثاء، 19 مايو 2026

كيف يواجه المزارع السوداني عاصفتين: النزاع وتغير المناخ؟

أرض الإمكانات الهائلة والتحديات الجسيمة:

يُعرف السودان بما يمتلكه من مقومات زراعية هائلة، إذ تزيد مساحة أراضيه الصالحة للزراعة عن 173 مليون فدان، مدعومة بموارد مائية متنوعة بين نهر النيل والأمطار والمياه الجوفية، فضلاً عن ثروة حيوانية ضخمة تتجاوز 105 ملايين رأس. تؤهله هذه الموارد ليكون سلة غذاء واعدة، ليس للسودان فحسب، بل للمنطقة بأكملها. ومع ذلك،

يكشف الواقع الإنتاجي عن فجوة صارخة بين هذه الإمكانات الكامنة والأداء الفعلي؛ فعلى سبيل المثال، يبلغ متوسط إنتاجية محصول الذرة في السودان حوالي 700 كيلوجرام للهكتار الواحد (أي ما يعادل 294 كجم/فدان)، وهو مستوى منخفض يدعو للقلق عند مقارنته بنيجيريا (1,200 كجم/هكتار) أو إثيوبيا (2,600 كجم/هكتار). لا تبرز هذه الفجوة حجم الفرص الضائعة فحسب، بل تكشف أيضاً عن عمق التحديات التي يواجهها المزارع السوداني.

 الضربة المباشرة: كيف تدمر النزاعات المسلحة الزراعة؟

تترك النزاعات المسلحة آثاراً مدمرة ومباشرة على المزارعين، إذ تحول حقولهم إلى ساحات معارك وتعطل سبل عيشهم كلياً. ويمكن إيجاز أبرز هذه التأثيرات فيما يلي:

النزوح الجماعي: تسببت الحرب الأخيرة في نزوح نحو 6.6 مليون شخص داخل السودان، وهو ما لا يمثل أزمة إنسانية فحسب، بل خسارة فادحة لرأس المال البشري والمعرفة الزراعية المتوارثة، مما يخلق فراغاً يصعب تعويضه.

تدمير البنية التحتية: تعرضت المنشآت الحيوية لدمار واسع، لا سيما في ولاية الخرطوم التي كانت تستوعب 40% من قدرة البلاد على طحن القمح. وقد أدى هذا التدمير الممنهج إلى فصل الإنتاج الأولي عن عمليات القيمة المضافة، مما قطع صلة المزارعين بسلاسل الإمداد الوطنية وأدى إلى توقف ثلثي شركات التصنيع الزراعي عن العمل.

منع الوصول إلى الأراضي: أعاق انعدام الأمن وصول المزارعين إلى حقولهم، خاصة في مواسم الزراعة الحاسمة، مما بث الخوف في نفوسهم ودفعهم للعزوف عن الزراعة، وهو ما تسبب في تقلص كبير في المساحات المزروعة.

تعطيل طرق الرعي: أحدث النزاع اضطراباً في مسارات الهجرة التقليدية للثروة الحيوانية، مما فاقم التوترات بين الرعاة والمزارعين حول الموارد المحدودة من مياه ومراعٍ، وعرّض الثروة الحيوانية للخطر. وبعيداً عن عنف الصراع المباشر، يلوح في الأفق تهديد آخر لا يقل خطورة، وهو التآكل الصامت الذي يُحدثه تغير المناخ في ركائز الزراعة السودانية.

الخطر الصامت: كيف يؤثر تغير المناخ على المزارع السوداني؟

يُعد السودان من أكثر دول العالم عرضةً لتأثيرات تغير المناخ، إذ يحتل المرتبة 175 من أصل 181 دولة من حيث درجة التأثر. وتفرض هذه الهشاشة ضغوطاً جسيمة على القطاع الزراعي الذي يعتمد اعتماداً مباشراً على الموارد الطبيعية. وفيما يلي أبرز تلك التأثيرات وانعكاساتها الملموسة على الزراعة: 1

ارتفاع درجات الحرارة: من المتوقع ارتفاع درجات الحرارة في السودان بمقدار 1.5 إلى 3 درجات مئوية بحلول منتصف القرن، مما يؤدي إلى زيادة كبيرة في تبخر مياه التربة، وإجهاد المحاصيل والماشية، فضلاً عن تقليص دورات نمو المحاصيل، مما يقلل من إنتاجيتها.

تذبذب الأمطار: يعتمد معظم سكان الريف على الزراعة المطرية لإنتاج المحاصيل الأساسية كالذرة الرفيعة والدخن؛ لذا يهدد عدم انتظام هطول الأمطار وتذبذب معدلاته المواسم الزراعية بأكملها، ويزيد من مخاطر فشل المحاصيل التي يعتمد عليها ملايين السكان في توفير غذائهم.

تدهور الأراضي والتصحر: يفاقم تغير المناخ من مشكلة التصحر، التي تُعد التحدي البيئي الأبرز في غرب السودان، مما يؤدي إلى تدهور خصوبة التربة، وتكرار العواصف الترابية التي تتلف المحاصيل، وتقليص مساحة المراعي المتاحة للثروة الحيوانية. وتكمن المأساة في أن النزاعات وتغير المناخ لا يعملان بشكل منفصل، بل يتفاعلان في حلقة مفرغة تضاعف من معاناة المزارعين.

الحلقة المفرغة: عندما يغذي المناخ الصراع، ويدمر الصراع القدرة على التكيف

تكمن المأساة في أن تغير المناخ والنزاعات يغذي أحدهما الآخر في حلقة مفرغة ومدمرة، وهو ما يُعرف بـ "فخ الصراع"؛ إذ تؤدي ندرة الموارد الناتجة عن التغير المناخي إلى تأجيج العنف، الذي يعمل بدوره على تفكيك البنية التحتية والتماسك الاجتماعي اللازمين للتكيف، مما يحبس المجتمعات في حالة من الضعف الدائم. فعلى سبيل المثال، يؤدي تدمير أنظمة الري والطرق ومنشآت التخزين إلى عجز المزارعين عن مواجهة شح المياه أو تأمين محاصيلهم. وقد كان الصراع على الأراضي الرعوية وموارد المياه المتقلصة بفعل الجفاف والتصحر محركاً رئيسياً لنزاع دارفور، كما يمنع انعدام الأمن المزارعين من الوصول إلى البذور والأسمدة اللازمة لتطوير محاصيل قادرة على تحمل الظروف المناخية القاسية، فضلاً عن أن الجفاف يدفع السكان للهجرة بحثاً عن الماء والمرعى، مما يفاقم الضغط على الموارد في مناطق النزوح ويولد توترات جديدة مع المجتمعات المضيفة..

نظرة عن قرب: خريطة معاناة المزارعين في أقاليم السودان

على الرغم من اشتراك جميع الأقاليم في تحديات عامة، إلا أن طبيعة الأزمة تتباين بشكل كبير؛ ففي دارفور، يتمثل التحدي الأبرز في النزاع المسلح وانعدام الأمن، مما تسبب في نزوح المزارعين وفقدان مواشيهم، وتظل المشكلة الجوهرية في الصراع التاريخي على الأراضي. أما في الشرق، فتتجلى الأزمة في استنزاف التربة بمناطق الزراعة الآلية، مما أثر سلباً على إنتاجية الذرة والسمسم. إن معاناة المزارعين ليست مجرد إحصائيات، بل واقع يومي معقد يستوجب فهماً عميقاً. خلاصة: ما وراء الأزمة؛ لا تقتصر الأزمة الزراعية في السودان على آثار النزاع وتغير المناخ فحسب، بل هي انعكاس لإخفاقات هيكلية أعمق. إنها أزمة مركبة ناتجة عن خلل تأسيسي مزمن في الحوكمة وسوء إدارة الموارد، مما جعل القطاع الزراعي هشاً وعرضة للانهيار منذ فترة طويلة.


في المنشور  القادم، نستعرض التحديات الهيكلية والعوامل المسببة لتدني الإنتاجية في السودان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق