الزراعة والسلام Agri-Peace

🌐 Language

منصة فكرية حول الزراعة والتنمية وبناء السلام في السودان

الاثنين، 1 يونيو 2026

تحديات القطاع الزراعي في السودان (1-2)

 المقدمة: الأهمية الاستراتيجية والأزمة الهيكلية للقطاع الزراعي

يمثل القطاع الزراعي حجر الزاوية في الاقتصاد السوداني، وركيزة أساسية للأمن الغذائي وسبل العيش لملايين السكان. ومع ذلك، يعاني هذا القطاع الحيوي من أزمة هيكلية عميقة ومتجذرة؛ إذ كشفت الصدمات الخارجية المتتالية، وفي مقدمتها النزاعات المسلحة وتداعيات تغير المناخ، عن نقاط ضعف بنيوية حالت دون تحقيق إمكاناته الهائلة، وأبقته في حلقة مفرغة من انخفاض الإنتاجية والفقر. إن التحديات التي يواجهها القطاع

تتجاوز الأعراض الظرفية لتصل إلى جذور الفشل في الحوكمة، والسياسات، والتمويل، والبنية التحتية.

تشخيص التحديات الهيكلية المترابطة

1. أزمة الحوكمة والمؤسسات: جذور الفشل التنظيمي

يعد ضعف الحوكمة والقصور المؤسسي حجر العثرة الأساسي الذي يقوض أي محاولة جادة لتحقيق تنمية زراعية مستدامة. فبدون إطار قانوني واضح، ومؤسسات فاعلة، وقدرات تنفيذية حقيقية، تظل جميع التدخلات محدودة الأثر. وتتجلى هذه الأزمة في جوانب رئيسية:

- فوضى السياسات والتشريعات: تعاني البيئة القانونية المنظمة للقطاع من التجزئة والتضارب، مما يخلق حالة من عدم اليقين تعيق الاستثمار وتحرم المزارعين من حقوقهم. ويتضح هذا في قوانين الأراضي، حيث أدى "قانون الأراضي غير المسجلة لعام 1970"، متبوعاً بـ "قانون المعاملات المدنية لعام 1984"، إلى تحويل جميع الأراضي غير المسجلة إلى ملكية حكومية، مُلغياً بذلك الحقوق العرفية والتاريخية للمجتمعات المحلية، ومُضعفاً أمن الحيازة لملايين المزارعين والرعاة.

- الضعف المؤسسي وقصور القدرات: تعاني المؤسسات الحكومية من ضعف هيكلي يعطل تنفيذ السياسات. على سبيل المثال يظهر هذا القصور في غياب الإرادة السياسية، وتردي إدارات الأراضي على مستوى الولايات التي تعاني من نقص حاد في المعدات (مثل توفر سيارة واحدة فقط لقسم مسح كامل) وغياب أنظمة الأرشفة، فضلاً عن انعدام التنسيق بين المؤسسات الحكومية والجهات المانحة، مما يؤدي إلى تشتيت الجهود وهدر الموارد.

2. القيود الاقتصادية والمالية: البيئة الكلية المعطلة

يشكل عدم استقرار الاقتصاد الكلي والفجوات التمويلية العميقة بيئة طاردة للاستثمار الزراعي، مما يعمق فقر المزارعين ويحد من قدرتهم على تبني التقنيات الحديثة.

- عدم استقرار الاقتصاد الكلي: يعاني القطاع من تداعيات التضخم المرتفع الذي يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية، والاعتماد المتزايد على استيراد المحاصيل الاستراتيجية، والعجز المزمن في الميزان التجاري الزراعي.

- فجوات التمويل والاستثمار: انخفض التمويل المصرفي الموجه للقطاع الزراعي ليصل إلى أقل من 5% من إجمالي القروض بعد نزاع أبريل 2023، مقارنة بنحو 15% قبل النزاع، مما يعكس تراجع ثقة القطاع المصرفي. وتتجه معظم القروض التي تحصل عليها الأسر الزراعية لتلبية الاحتياجات الاستهلاكية بدلاً من الاستثمار في المدخلات كالبذور والأسمدة.

- ارتفاع تكاليف الإنتاج والخدمات اللوجستية: يواجه المزارعون أعباءً مالية متزايدة نتيجة تدهور شبكة الطرق، والنقص الحاد في المدخلات الأساسية، مما يجعلها بعيدة عن متناول صغار المنتجين.

3. تحديات الإنتاج والإنتاجية: فجوة بين الإمكانات والواقع

يُعد انخفاض الإنتاجية الزراعية العرض الرئيسي للأزمة، ويعود ذلك إلى غياب البحث العلمي، وضعف نقل التقنيات، والتدهور الحاد في البنى التحتية للري.

- فجوة البحث والتقنية: أدى ضعف تمويل مؤسسات البحث العلمي إلى توقف مراكز إكثار البذور وتدهور جودتها، مما أدى إلى انخفاض الغلة والدخل.

- قصور الإرشاد ونقل التقنية: يؤدي ضعف خدمات الإرشاد إلى استمرار الممارسات الضارة، مثل الزراعة الأحادية التي تستنزف التربة، والأخطاء التشغيلية كالتأخير في الزراعة وضعف التسميد.

- تدهور أنظمة المياه: تعاني مشاريع حصاد المياه من نقص التمويل وانهيار السدود والمشاكل التقنية، بينما تعاني مشاريع الري الكبرى (مثل الجزيرة والرهد وحلفا الجديدة) من تهالك المضخات والقنوات.

- ركود الإنتاجية: تتجلى المشكلة في ركود إنتاجية الحبوب في السودان، وتدنيها في أنظمة الزراعة المطرية التقليدية لتتراوح بين 0.24 إلى 0.7 طن للهكتار فقط.

4.  أزمة حيازة الأراضي والنزاع على الموارد

لا تمثل قضايا حيازة الأراضي تحدياً زراعياً فحسب، بل هي سبب جوهري للتوترات الاجتماعية والنزاعات المسلحة.

- انعدام الأمن الحيازي: يعاني معظم سكان الريف من عدم استقرار حيازة الأراضي، حيث أن الغالبية العظمى منها غير مسجلة رسمياً (تقل النسبة عن 1% في دارفور)، مما يجعل المزارعين عرضة لفقدان أراضيهم.

- تهميش الفئات الضعيفة: تعاني المرأة من ضعف شديد في حقوق حيازة الأراضي ضمن النظم العرفية، مما يجعلها الأكثر هشاشة عند وقوع النزاعات.

- تفاقم النزاعات: أدت الضغوط السكانية والبيئية إلى تصاعد النزاعات بين المزارعين والرعاة، ونزاعات الاستثمار الناتجة عن منح الحكومة عقوداً واسعة النطاق دون اعتبار لحقوق المجتمعات المحلية.

- ضعف آليات فض النزاعات: تتسم الأنظمة القضائية الرسمية بعدم الفعالية، بينما تفتقر الآليات العرفية (الجودية) إلى القدرة على معالجة النزاعات المعقدة وضمان حقوق الفئات المهمشة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق