الزراعة والسلام Agri-Peace

🌐 Language

منصة فكرية حول الزراعة والتنمية وبناء السلام في السودان

الجمعة، 12 يونيو 2026

تحديات القطاع الزراعي في السودان (2-2)

تتباين التحديات التي تواجه القطاع الزراعي في السودان تبايناً جذرياً بين إقليم وآخر، مما يجعل مراعاة الخصوصية الإقليمية شرطاً أساسياً لصياغة سياسات زراعية فعالة ومستجيبة للاحتياجات المحلية

.

إقليم دارفور:

تتجلى الأزمة في التقاطع الحاد بين النزاع المسلح الذي شلّ الحياة الاقتصادية، وتدهور الموارد الطبيعية الذي قوّض سبل العيش التقليدية، مما أدى إلى تبوير ملايين الأفدنة؛ فأصبحت أي محاولة للتنمية الزراعية رهينة للاستقرار الأمني. يضاف إلى ذلك الصراع التاريخي بين المزارعين والرعاة حول الحواكير والمسارات، فضلاً عن الجفاف وزحف التصحر الذي قلّص المساحات الصالحة للزراعة.

إقليم كردفان:

تتعرض الركائز الاقتصادية التقليدية للإقليم، كالصمغ العربي والثروة الحيوانية، لتآكل ممنهج؛ نتيجة تمدد التعدين العشوائي على حساب الأراضي الزراعية وما يسببه من تلوث للتربة، بالإضافة إلى انعدام الأمن في الطرق الرئيسية، وفرض جبايات غير قانونية تستنزف أرباح المزارعين، إلى جانب تراجع حزام الصمغ العربي بسبب الجفاف والقطع الجائر.

الإقليم الأوسط:

يشهد قلب السودان الزراعي كارثة تمثلت في التدمير الممنهج لمشروع الجزيرة، مما أدى إلى توقف شبه كامل للإنتاج في المنطقة التي كانت تعدّ صمام الأمان الغذائي للبلاد. وقد تفاقم الوضع بسبب تدهور التربة وارتفاع ملوحتها نتيجة سوء إدارة المياه، وانهيار البنية المؤسسية للمشروع، وغياب الدورة الزراعية.

الإقليم الشرقي:

تتمثل الأزمة في استنزاف خصوبة التربة نتيجة الزراعة الأحادية للذرة، وانتشار نبات "المسكيت" الغازي الذي قلص الرقعة الزراعية، يضاف إلى ذلك التوترات الحدودية المستمرة في منطقة "الفشقة".

إقليم النيل الأزرق:

يعيش الإقليم مفارقةً قاسية؛ إذ تصطدم إمكاناته الهائلة بانتزاع الأراضي وتخصيص مساحات شاسعة للمستثمرين على حساب السكان المحليين. كما يواجه تحديات الفيضانات المتكررة التي تغمر الأراضي الزراعية وتقطع الطرق، فضلاً عن ضعف التمويل والميكنة رغم خصوبة التربة.

الإقليم الشمالي:

تواجه الزراعة الحديثة هنا واقعاً اقتصادياً صعباً؛ حيث يُعدُّ ارتفاع تكلفة الطاقة العائق الأبرز الذي يهدد جدوى الإنتاج المروي ويكبح التوسع الزراعي. ويُضاف إلى ذلك ظاهرة "الهدام" التي تبتلع الأراضي الخصبة، وصعوبة تسويق التمور لغياب عمليات التصنيع والقيمة المضافة.

يؤكد هذا التباين الإقليمي ضرورة تبني حزمة توصيات استراتيجية مرنة، تعالج جذور المشكلات بأساليب مصممة لتناسب خصوصية كل منطقة.

نحو عقد اجتماعي جديد للتنمية الزراعية:

إن أزمة القطاع الزراعي في السودان ليست مجرد مشكلات متفرقة، بل هي أزمة هيكلية متداخلة تتطلب نهجاً شاملاً يجمع بين الإصلاحات القانونية والمؤسسية والاقتصادية والتقنية، يجب أن تكون الحلول حساسة للسياقات الإقليمية، متجاوزةً التوجهات المركزية الموحدة نحو سياسات مخصصة تعالج التحدي الأبرز في كل إقليم. إن مستقبل الزراعة في السودان مرهون بكسر هذه الحلقة المفرغة عبر تبني إصلاحات جريئة ضمن "عقد اجتماعي جديد"، يضع التنمية المستدامة والعدالة في توزيع الموارد في صميم عملية إعادة بناء الدولة، وتحقيق السلام والاستقرار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق